الفيض الكاشاني
1020
علم اليقين في أصول الدين
فقد قيل : إنّ السبب فيها أمران : فاعليّ وغائيّ : أمّا الفاعليّ : فهو أنّ النفس لها نشئات ثلاثة : حسيّة وخياليّة وعقليّة : فأوّل نشئاتها نشأة الحسّ ، ولها الغلبة على الإنسان ما دامت هذه الحياة الحسيّة باقية له ، فيجري أحكامها على النفس في هذه الدار ، ويؤثّر فيها من هذه الجهة كلّ ما يؤثّر في الجوهر الحاسّ وفي الحيوان الحسّي من الملائمات والمنافرات الحسّية ، ولهذا تتضرّر وتتألّم بتفرّق الاتصال وبالاحتراق بالنار وساير المنافيات الحسيّة ؛ لا من حيث كونها جوهرا ناطقا وذاتا عقليّة ذات نشأة روحانيّة وعالم ملكوتي ، بل من حيث كونها جوهرا حسّاسا ذا نشأة حسّيّة وعالم دنياويّ ؛ فتوحّشها من الموت البدنيّ وكراهتها للعدم الحسّيّ إنّما يكون لها بحصّة من هذه النشأة الحسّية . وأمّا ما يقتضيه العقل التامّ وقوّة الباطن وغلبة سلطان الملكوت والتشوّق إلى اللّه - تعالى - ومجاورة مقرّبيه : فهو محبّة الموت الطبيعي ، والوحشة عن حياة هذه النشأة ، ومشاهدة حيوانات الدنيا ؛ فإنّ وحشة أهل الباطن عن مجاورة أحياء هذا العالم أشدّ من وحشة الإنسان الحيّ عن مجاورة الأموات بكثير . ومن هنا قال أمير المؤمنين عليه السّلام « 1 » حين ضربه ابن ملجم : « فزت وربّ الكعبة » .
--> ( 1 ) - مناقب ابن شهرآشوب : فصل في مسابقته عليه السّلام باليقين والصبر ، 2 / 119 . وفصل في مقتله : 3 / 312 . عنه البحار : 41 / 2 ، ح 2 . و 42 / 239 ، ح 45 .